ابن كثير
94
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
جرير « 1 » . وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ والأنامل أطراف الأصابع ، قاله قتادة . وقال الشاعر : [ الطويل ] أودّكما ما بلّ حلقي ريقتي * وما حملت كفاي أنملي العشرا « 2 » وقال ابن مسعود والسدي والربيع بن أنس : الأنامل الأصابع ، وهذا شأن المنافقين يظهرون للمؤمنين الإيمان والمودة ، وهم في الباطن بخلاف ذلك من كل وجه ، كما قال تعالى : وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ وذلك أشد الغيظ والحنق . قال اللّه تعالى : قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ أي مهما كنتم تحسدون عليه المؤمنين ويغيظكم ذلك منهم ، فاعلموا أن اللّه متم نعمته على عباده المؤمنين ومكمل دينه ، ومعل كلمته ومظهر دينه ، فموتوا أنتم بغيظكم إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ أي هو عليم بما تنطوي عليه ضمائركم وتكنه سرائركم من البغضاء والحسد والغلّ للمؤمنين ، وهو مجازيكم عليه في الدنيا بأن يريكم خلاف ما تؤمّلون ، وفي الآخرة بالعذاب الشديد في النار التي أنتم خالدون فيها لا محيد لكم عنها ، ولا خروج لكم منها . ثم قال تعالى : إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها وهذه الحال دالة على شدة العداوة منهم للمؤمنين ، وهو أنه إذا أصاب المؤمنين خصب ونصر وتأييد وكثروا وعز أنصارهم ، ساء ذلك المنافقين ، وإن أصاب المسلمين سنة أي جدب أو أديل عليهم الأعداء ، لما للّه تعالى في ذلك من الحكمة - كما جرى يوم أحد - فرح المنافقون بذلك ، قال اللّه تعالى مخاطبا للمؤمنين وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً الآية ، يرشدهم تعالى إلى السلامة من شر الأشرار وكيد الفجار باستعمال الصبر والتقوى والتوكل على اللّه الذي هو محيط بأعدائهم ، فلا حول ولا قوة لهم إلا به . وهو الذي ما شاء كان ، وما لم يشأ لم يكن ، ولا يقع في الوجود شيء إلا بتقديره ومشيئته ، ومن توكل عليه كفاه . ثم شرع تعالى في ذكر قصة أحد وما كان فيها من الاختبار لعباده المؤمنين . والتمييز بين المؤمنين والمنافقين وبيان صبر الصابرين فقال تعالى : [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 121 إلى 123 ] وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 121 ) إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( 122 ) وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 123 ) المراد بهذه الوقعة يوم أحد عند الجمهور ، قاله ابن عباس والحسن وقتادة والسدي وغير
--> ( 1 ) تفسير الطبري 3 / 411 . ( 2 ) قوله : أودكما أي لا أودكما . حذفت « لا » مع القسم . والريقة : الريق . ومعنى البيت : لا أودكما أبدا ما حييت .